الشيخ محمد علي طه الدرة
363
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : كان من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها ذهب وفضة ، وزبرجد ، وياقوت . لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ : يقرأ الفعل بضم الياء وفتحها ، والمعنى أعطيتهم النعم المذكورة ليشكروها ، ويتبعوا دينك ، فكان عاقبة أمرهم : أنهم كفروها وضلوا عن سواء السبيل ، وقيل : هو دعاء عليهم بالإضلال بما عرف من ممارسة أحوالهم أنه لا يكون غير ما حصل منهم ، وقيل : المعنى : ربنا إنك جعلت هذه النعم سببا لضلالهم ؛ لأنهم بطروا وطغوا في الأرض ، واستكبروا عن الإيمان . اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ : الطمس : إزالة الشيء بالمحو ، والمعنى : أزل صور أموالهم وهيئاتها ، قال قتادة : بلغنا أن أموالهم ، وحروثهم ، وزروعهم ، وجواهرهم صارت حجارة ، وقيل غير ذلك . وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ : اطبع عليها وقسها حتى لا تلين ، ولا تنشرح للإيمان . فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ : فلا يحصل منهم إيمان حتى يبصروا بأعينهم العذاب الموجع المؤلم ، وهو الغرق ، ولكن لم ينفعهم الإيمان شيئا حين شاهدوا العذاب ، كما ستعرفه قريبا . هذا ؛ وكان موسى يدعو ، وأخوه هارون يؤمن على دعائه ، عليهما الصلاة والسّلام . تنبيه : قد يشكل على القارئ كيف دعا موسى عليه السّلام على قومه بما رأيت ، ووظيفة الرسل استدعاء قومهم إلى الإيمان ، وترغيبهم فيه ، والجواب : أن موسى عليه السّلام إنما دعا عليهم بإذن اللّه ، وإعلام منه تعالى : أنه ليس فيهم من يؤمن ، ولا يخرج من أصلابهم من يؤمن باللّه ، دليله قوله تعالى لنوح عليه السّلام : أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ وعند ذلك دعا على قومه فقال : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً واللّه أعلم بمراده ، وأسرار كتابه . الإعراب : وَقالَ مُوسى : فعل وفاعل ، رَبَّنا : منادى حذف منه أداة النداء ، و ( نا ) : في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله ، وفاعله مستتر فيه . إِنَّكَ : حرف مشبه بالفعل ، والكاف في محل نصب اسمها . آتَيْتَ : فعل وفاعل . فِرْعَوْنَ : مفعول به أول وَمَلَأَهُ : معطوف على فِرْعَوْنَ ، والهاء في محل جر بالإضافة . زِينَةً : مفعول به ثان . وَأَمْوالًا : معطوف على زِينَةً . فِي الْحَياةِ : متعلقان بالفعل آتَيْتَ أو هما متعلقان بمحذوف صفة : زِينَةً وَأَمْوالًا . الدُّنْيا : صفة الْحَياةِ مجرور ، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر ، وجملة : آتَيْتَ . . . إلخ في محل رفع خبر ( إن ) ، والجملة الاسمية : إِنَّكَ . . . إلخ في محل نصب مقول القول ، وجملة : وَقالَ مُوسى . . . إلخ معطوفة على جملة : وَأَوْحَيْنا . . . إلخ لا محل لها أيضا . رَبَّنا : توكيد للسابق . لِيُضِلُّوا : لقد اختلف في هذه اللام ، وأصح ما قيل فيها : إنها لام العاقبة ، والصيرورة ، وهو قول الخليل وسيبويه ، وقيل : هي لام التعليل ، وقيل : هي لام أجل ، أي : أعطيتهم لأجل إعراضهم عنك ، وعلى هذه الأقوال الثلاثة فالفعل منصوب ، وعلامة نصبه حذف النون ، والواو فاعله ، والألف للتفريق ، و « أن » المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام ، والجار والمجرور متعلقان